ينبع الخير في يومك الوطني
للكاتبه: أشواق عمر
هبّت نسمات باردة رطبة آتية من البحر،
فراقصت أطراف غطاء رأسي، وأسقطت في طريقها
زهرات من شجرة الياسمين، تلك التي تحايلت على الجذع الإصطناعي، و تسلّقته بمهارة ثم تشعّبت على أغصانه لتوهم الناظر أن لها جذعاً
قوياً كجارتها النخلة الواقفة بكبرياء. أغمضت عيني وارتشفت فنجان الشاي المنكّه
بالنعناع ليُدفِئَني، ذلك النعناع قوي النكهة الذي يجلبه التجار من بساتين المدينة
المنورة،أنتعشت روحي وتذكرت مسجد الحبيب صلى الله عليه وسلم، فسرى الدفء إلى
قلبي.
في مدينتي الشتاء حنون؛ فهو لا يُرغم
أحد على إرتداء معطف ثقيل، لكنه يبُقي الجو باردا، رغم الشمس التي تسفر عن وجهها
فتبعثر الغيوم، وتبتسم للبحر الأزرق، والجبال الشاهقة. أما الصيف فهو طفلٌ مرح؛
فمن القلاع الرملية على الشاطئ الذهبي، ورحلات الصيد بالقوارب، إلى رائحة الشواء
وقت العشاء، وجلسات السمر على الشرفات المزهرة.
كان ولازال الخير ينبع من هذه
المدينة؛ فقسمها الذي يرقد على ساحل البحر الأحمر هو ميناء قديم، يقصده الحجاج
والزائرون لتوسطه بين مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ لذا تروج فيه أصناف السلع،
وسوق السمك يغذي المنطقة كلها بخيرات البحر؛ لذلك سمي هذا الجزء منها بيَنبُع
البحر.
أما قسمها المتربع على سفوح الجبال
التي غطتها الحرّة، وحاصرتها البراكين النائمة منذ آلاف السنين، فهو جِنان من
أشجار النخيل التي تجود صيفا، فيغطي خيرها القرى المختبئة بين المزارع، ويفيض إلى
المناطق المجاورة؛ لذلك سمي هذا الجزء منها بيَنبُع النخل.
وتصل خيرات الذهب الأسود من ساحل
الخليج العربي، مخترقة قلب الجزيرة العربية حتى تصب في مصانع التكرير المزمجرة هنا،
وتظهر عند المغيب أنوارها التي لا تنام، نهارٌ يخرج من رحم الليل المظلم.
تجاورها مدينة غاية في الحداثة والرقي،
غارقة في الخضرة والماء، فالشوارع الفسيحة والمرصوفة بعناية تظللها الأشجار من كل
جانب، والحدائق الغناء في كل زاوية تزينها النوافير، أما المنازل المبنية بتصاميم
مختلفة فتتوافق وحاجات السكان العاملين أكثرهم في تلك المصانع، والتي أجتمع فيها
أناس من أجناس وأعراق مختلفة، فألّفت بينهم الغربة، وهذبتهم الحضارة.
تلك المدينة الساحرة بكل ما فيها من
جمال، قد رسمت أمواجاً في قلبي الغضّ منذ زمن بعيد، كانت حبي الأول، أبعدتني عنها
الأقدار زمناً، ولكني عدت الآن إليها لأسكنها بعد أن سكنت داخلي طوال سنوات الشوق.
أتيت لألهو على شواطئها، وأتسلق جبالها، وأملأ سلتي من خير نخيلها، وسأبقى قربها
أبادلها الوفاء، فهي عشقي وأنسي ورائحة أهلي وأحبتي، وصويحبات الطفولة، فكلهن وإن أختلفت جنسياتهن وإنتماءاتهن يعتبرنها مدينتهن بل وطنهن، هكذا تعلمنا في بلادنا
الحبيبة المملكة العربية السعودية، ويأتي اليوم الوطني يعزز إنتمائي لهذه الأرض،
ويذكرني أنها أرض رحبة حنونة، ضمت في حضنها الدافئ الجميع، وعلمتنا أن نتقبل الآخر
بصدر رحب، ونفسح له المجال حين غمرنا خيرها بلا إستثناء، فالوطن أوسع وأكبر من
كلمة تقال، أخوة تظللها المحبة في الله، وسنوات من الجد والعطاء، وذكريات عذبة .


كل الشكر والتقدير لمؤسسة ليساء، لتشجيعهم المواهب.
ردحذفقلب<3
حذف